ابن أبي الحديد

308

شرح نهج البلاغة

قال الشيخ أبو علي - رحمه الله : العقل يدل على وجوبه ، وإلى هذا القول مال شيخنا أبو الحسين رحمه الله . وأما كيفية وجوبه فإنه واجب على الكفاية دون الأعيان ، لان الغرض ألا يقع المنكر ، فإذا وقع لأجل انكار طائفة لم يبق وجه لوجوب الانكار على من سواها . وأما شروط حسنة فوجوه : منها أن يكون ما ينكره قبيحا ، لان إنكار الحسن وتحريمه قبيح ، والقبيح على ضروب : فمنه ما يقبح من كل مكلف ، وعلى كل حال ، كالظلم . ومنها ما يقبح من كل مكلف على وجه دون وجه ، كالرمي بالسهام ، وتصريف الحمام ، والعلاج بالسلاح ، لان تعاطى ذلك لمعرفة الحرب والتقوى على العدو ، ولتعرف أحوال البلاد بالحمام حسن لا يجوز إنكاره ، وإن قصد بالاجتماع على ذلك الاجتماع على السخف واللهو ومعاشرة ذوي الريب والمعاصي فهو قبيح يجب إنكاره . ومنه ما يقبح من مكلف ويحسن من آخر على بعض الوجوه ، كشرب النبيذ ، والتشاغل بالشطرنج ، فأما من يرى حظرهما أو يختار تقليد من يفتى بحظرهما ، فحرام عليه تعاطيهما على كل حال ، ومتى فعلهما حسن الانكار عليه ، وأما من يرى إباحتهما أو من يختار تقليد من يفتى بإباحتهما ، فإنه يجوز له تعاطيهما على وجه دون وجه ، وذلك إنه يحسن شرب النبيذ من غير سكر ولا معاقرة والاشتغال بالشطرنج للفرجة وتخريج الرأي والعقل ، ويقبح ذلك إذا قصد به السخف ، وقصد بالشرب المعاقرة والسكر ، فالثاني يحسن إنكاره ويجب ، والأول لا يحسن إنكاره لأنه حسن من فاعله . ومنها أن يعلم المنكر أن ما ينكره قبيح ، لأنه إذا جوز حسنه كان بإنكاره له وتحريمه إياه محرما لما لا يأمن أن يكون حسنا ، فلا يأمن أن يكون ما فعله من النهى